أبي حيان التوحيدي
126
المقابسات
وصدر وعجز ، وسلامة ودخل ، وإقباس واقتباس ؛ فمن جملة ذلك وحومته أن قيل : هل تصح الأحكام أم لا تصح ؟ فكان من محصول الجواب أن قال قائل : الأحكام لا تصح بأسرها ، ولا تبطل من أصلها . وتلك ليست بالهوينا ، إذا أنعم النظر ، ونشط للاصغاء ، وصمد نحو الفائدة ، بغير متابعة الهوى ، وإيثار التعصب ، لأن الأمور الموجودة على ضربين : ضرب له الوجود الحق ، فالأمور الموجودة بالحق قد أعطت البقية نسبة من جهة الوجود ، وارتجعت منها حقيقة ذلك ؛ فالحاكم بالاعتبار ، الفاحص عن هذه الأسرار ، إن أصاب فبنسبة الوجود الذي لهذا العالم السفلى من ذلك العالم العلوي ، وإن أخطأ فبما فات هذا العالم السفلى من ذلك العالم العلوي . والإصابة في هذه الأمور السيالة المتبدلة عرض ، والإصابة في أمور الفلك جوهر . وقد يكون هناك ما هو كالخطاء ، ولكن بالعرض لا بالذات ، كما قد يكون هاهنا ما هو كالصواب والحق ، ولكن بالعرض لا بالذات . فلهذا صح بعض الأحكام ، وبطل بعض الأحكام ومما يكون إيادا لهذا الفصل وشاهدا قويا : أن هذا العالم السفلى مع تبدله في كل حال ، واستحالته في كل طرف ولمح ، متقبل لذلك العالم العلوي ، شوقا إلى كماله ، وعشقا لجماله ، وطلبا للتشبه [ به ] ، وتحقيقا بكل ما أمكن من شكله ، فهو بحق التقبل يعطى هذا العالم السفلى ما يكون مشابها للعالم العلوي . ومن هذا الباب تقبّل الانسان الكامل من البشر ، من الملك ، وتقبل الملك من الباري ، وكذلك تقبل الطبيعة للنفس ، والنفس للعقل ؛ والعقل للبارى قال آخر : وإنما وجب هذا التقبّل والتشبه ، لأن وجود هذا العالم وجود متهافت مستحيل ، لا صورة له ثابتة ، ولا شكل دائم ، ولا هيئة معروفة .